صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
3358
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
واصطلاحا : قال المناويّ : المداراة : الملاينة والملاطفة ، وأصلها المخاتلة ومنه : الدّراية وهو العلم مع تكلّف وحيلة « 1 » . قال ابن بطّال - رحمه اللّه تعالى - : المداراة : خفض الجناح للنّاس ، ولين الكلام وترك الإغلاظ لهم في القول . وقال ابن حجر : المداراة الدّفع برفق « 2 » . المداراة لا بد منها في الحياة : قال ابن حبّان - رحمه اللّه تعالى - : الواجب على العاقل أن يلزم المداراة مع من دفع إليه في العشرة من غير مفارقة المداهنة ، إذ المداراة من المداري صدقة له ، والمداهنة من المداهن تكون خطيئة عليه ، والفصل بين المداراة والمداهنة : هو أن يجعل المرء وقته في الرّياضة لإصلاح الوقت الّذي هو له مقيم بلزوم المداراة من غير ثلم في الدّين من جهة من الجهات ، فمتى ما تخلّق المرء بخلق شابه بعض ما كره اللّه منه في تخلّقه فهذا هو المداهنة ، لأنّ عاقبتها تصير إلى قلّ ويلازم المداراة لأنّها تدعو إلى صلاح أحواله ، ومن لم يدار النّاس ملّوه ، وقد أنشد عليّ بن محمّد البسّاميّ : دار من النّاس ملا لاتهم * من لم يدار النّاس ملّوه ومكرم النّاس حبيب لهم * من أكرم النّاس أحبّوه فالواجب على العاقل أن يداري النّاس مداراة الرّجل السّابح في الماء الجاري ، ومن ذهب إلى عشرة النّاس من حيث هو كدّر على نفسه عيشه ، ولم تصف له مودّتهم ، لأنّ وداد النّاس لا يستجلب إلّا بمساعدتهم على ما هم عليه . إلّا أن يكون مأثما ، فإذا كانت حالة معصية فلا سمع ولا طاعة ، والبشر قد ركّب فيهم أهواء مختلفة وطبائع متباينة ، فكما يشقّ عليك ترك ما جبلت عليه فكذلك يشقّ على غيرك مجانبة مثله ، فليس إلى صفو ودادهم سبيل إلّا بمعاشرتهم من حيث هم ، والإغضاء عن مخالفتهم في كلّ الأوقات ، إذ إنّ من لم يعاشر النّاس على لزوم الإغضاء عمّا يأتون من المكروه ، وترك التّوقّع لما يأتون من المحبوب كان إلى تكدير عيشه أقرب منه إلى صفائه ، وإلى أن يدفعه الوقت إلى العداوة والبغضاء أقرب منه إلى أن ينال منهم الوداد ، وترك الشّحناء ، ومن لم يدار صديق السّوء كما يداري صديق الصّدق ليس بحازم ، ولقد أحسن الّذي يقول : تجنّب صديق السّوء واصرم حباله * وإن لم تجد عنه محيصا فداره وأحبب حبيب الصّدق واحذر مراءه * تنل منه صفو الودّ ما لم تماره وذلك لأنّه إذا كان كلّما رأى من أحد زلّة رفضه لزلّته بقي وحيدا ، لا يجد من يعاشر ، وفريدا لا يجد من يخادن ، بل يغضي على الأخ الصّادق زلّاته ولا يناقش الصّديق السّيّيء على عثراته . وقد قال منصور بن محمّد الكريزيّ :
--> ( 1 ) التوقيف ( 301 ) . ( 2 ) الفتح ( 10 / 528 ) .